الشيخ أحمد بن علي البوني
396
شمس المعارف الكبرى
مناسب للحيوان من جهة الشعاع ومن جهة النور إلا الحيوان الفرد بحقيقة العالم والعلم النباتي بالحقيقة اللوحية . ولما كان اللوح أرضا للقلم ، كان النبات أرضا للحيوان ، ولما كان اللوح أرضا للكتابة بالقلم ، كان النبات مفتقرا لبدن الحيوان . واعلم أن النبات ما اعتدل شعاعه على نوره ، فأما الذي اعتدلت فيه أقسامه وتساوت طبيعته ، فهو الذي حدث عنه الغذاء الصالح للأجسام الطبيعية ، وهو الذي يولد صالح الدم الفاضل الذي هو قابل لتصريف الحكم ، وأنواع الطاعات العلويات ، وليس للشيطان مسلك في هذا الدم ، ولا تطرق إليه أسباب الخدم ، والسنة لا تكون بعده دواء يصدر عنه في استمرار الأزمة ، وهو من أهل الخمسة العلوية والدار الآخرة ، وأما شف نوره على شعاعه ، فهو الذي يولد عنه الشهوة والأغذية ، وعنه يكون امتلاء الطبائع لعدم القوة الشفافية المجففة رطوبات النور لأن النور أقرب إلى الرطوبة والكثافة ، لأن حركته إلى أسفل وهو الذي تتولد عنه الأفكار الصالحة والتدبير الممتزج بالسفليات ، والتغذي به لا يكون له نتيجة ميراث نبوي ، لأن الذي يتولد من هذا الغذاء الغالب عليه النورانية لتناوله المحض الشهوة فهي نار محرقة ، ومنه تناول آدم عليه السّلام ، فكان ما كان من الخروج من الجنة والنزول إلى السفليات ، ولولا أن النور متصل بالشعاع ما عاد إلى بدنه ولا رجع إلى وكره . فمن غلب عليه ذلك ، فليترك الشهوة النورانية بالأواني الجسمانية حتى يحرقها التجفف لكثافتها ويتلطف بحقائقها ، وهو الذي فيه مزجة نفسانية وفطرة شيطانية فافهمه . وأما الذي غلب شعاعه على نوره فأحدث عنه دواء الأغذية ، وهو أيضا متفاضل بقوة طلوع الشعاع في أجزائه فمنه المفرد في السموم ومنه المفرد في قطع السموم أيضا وأما ما كان من باطن الشعاع ، فهو الذي يختم مادة السموم في السريان في جواهر الأجسام المنطوية بالنور . وأما ما كان في باطن الشعاع فهو المنفرد الذي يجلي الأجسام من كثيف تراكيبها ، فهو المتفرق في ظاهر الأجسام من تراكيبها ويمتزج النفس الطبيعة ، فتردها إلى عالمها العلوي أعني الكلي وهذا لا يعثر على كشفه إلا الرسل ، ولا يؤثر فيهم لعلمهم بكيفيتها وسر مقابلتهم له بما هو أعلى منه . ألا ترى إلى الذراع المسموم للنبي صلى اللّه عليه وسلم كيف أكله مع العلم به ولم يؤثر ، للأنوار العلية الإلهية . ومثاله ما أكله الصالحون من الأغذية التي يتناولها الناس من النبات ، ولم يتناوله أيدي الناس مما اعتاد العالم السفلي كيفية ضرره وظهور انحرافه ، فلما كشفوا أسباب الوجود وحققوا العلويات في درج السفليات شاهدوا الكل من حيث الكل والجزء من حيث الجزء جملة ، ثم ردوه عودا إلى بدء ، ونظموه في سلكه فسعدوا ، وسخرت لهم المفاتيح الغيبية والمعاريج العلوية والأزمة الملكوتية ، وسخر لهم ما في السماوات . واعلم أن أسباب العلويات شعشعانية ، وأسباب السفليات ممتزج شعاعها بنورها ، فلذلك كان النبات لا بد للحيوان من وجوده وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فهذا الفيض النوراني على النبات السفلي ، فمن فهم سر هذه المراتب الثلاث فهم سر الصنعة والامتزاجات ، فيلطف النورانيات سر اللطائف في أجزاء الكثائف ، وبالقوة الشعشعانية وقع الانقلاب من عالم إلى عالم ، وباتفاق أجزائها وقع إثبات الصبغ في الأجسام والحجر المكرم يجمع ذلك ، فباطنه نور شعشعاني ، وظاهره ممتزج نوراني ، فهو